صديق الحسيني القنوجي البخاري

74

فتح البيان في مقاصد القرآن

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من أجل خلاف ظهر منكم . وقيل : أي يد كل واحد اليمنى ورجله السرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ كأنه أراد به ترهيب العامة لئلا يتبعونهم في الإيمان . قيل : إنه فعل بهم ما توعدهم به من التقطيع والتصليب وقيل : لم يفعله بهم ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ذلك ، فلما سمعوا ذلك من قوله قالُوا لا ضَيْرَ أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا ، فإن ذلك يزول ، ولا بد من الانقلاب بعده إلى ربنا ، فيعطينا من النعيم الدائم ما لا يحدّ ولا يوصف . قال الهروي : لا ضير ولا ضرر ولا ضر ، بمعنى واحد ، قال الجوهري : ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا أي ضره ، قال الكسائي سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يضورني ، قال أبو زيد : لا يضيرنا الذي تقول وإن صنعت بنا وصلبتنا . إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي راجعون ، وهو مجازينا لصبرنا على عقوبتك إيانا ، وثباتنا على توحيده ، والبراءة من الكفر قاله أبو زيد ، تعليل لعدم الضير أي لا ضير في ذلك ، بل لنا فيه نفع عظيم ، لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه اللّه تعالى من تكفير الخطايا والثواب العظيم ، أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل ؛ إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت ، والقتل أهونها وأرجاها . . إِنَّا نَطْمَعُ أي نرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أي الكفر والسحر ، ثم علّلوا هذا بقولهم : أَنْ كُنَّا أي بسبب أن كنا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ أي : أنهم أول من آمن من قوم فرعون بعد ظهور الآية أو من أهل المشهد . وقال الفرّاء أول مؤمني زمانهم ، وأنكره الزجاج ، وقال : قد روي أنه أمن معهم ستمائة ألف وسبعون ألفا ، وهم الذين عناهم فرعون بقوله : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ قال أبو زيد : كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها . وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أمر اللّه سبحانه موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا إلى البحر ، أي لا إلى جهة الشام بالبر ، وهذا بعد سنين من إيمان السحرة ، وسمّاهم عباده لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به . وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الأعراف . إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ تعليل للأمر المتقدم ، أي : يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم أي : أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين ، كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر ، بل يكونون على أثركم حيث تلجون البحر ، فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم وأغرقهم . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ وذلك حين بلغه خروجهم ، والمراد بالحاشرين الجامعون للجيش من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون ، ثم قال فرعون لقومه بعد اجتماعهم لديه :